أرشيف ‘من بــطــون الكــتب ..!’ التصنيف

مغذيـــــات الإيمـــــــان

اغسطس 14, 2008

ينبغي للعبد أن يسعى ويجتهد في عمل الأسباب الجالبة للإيمان والمقوِّية له، ومن أعظم ذلك:

 * تدبر القرآن: فإنه يزيد في علوم الإيمان وشواهده، ويقوِّي الإرادة القلبية، ويحثُّ على أعمال القلوب من التوكل، والإخلاص، والتعلق بالله، الذي هو أصل الإيمان، وكذلك معرفة أحوال النبي-صلى الله عليه وسلم- وسماع حديثه، ومعرفة معجزاته، وما هو عليه من الأخلاق والأوصاف.

 * وكذلك التفكر في آيات الله ومخلوقاته المتنوعة، ولهذا يحثُّ الله على التفكُّر في ملكوت السماوات والأرض وما أودع فيها من الآيات والبراهين الدالة على وحدانية الله وصفاته وآلائه.

  * وكذلك التفكُّر في نعم الله الظاهرة والباطنة الخاصة والعامة؛ فإنها تدعو دعاء حثيثًا إلى الإيمان وتقوِّيه، فما بالعباد من النعم وما يدفعه من النقم كلما تفكَّر فيها ازداد إيمانه وقوي يقينه.

  * وكذلك النظر في أحوال الأنبياء والصديقين وخواص المؤمنين، ومعرفة أحوالهم، وتتبُّع أمورهم، من أكبر مقوِّيات الإيمان ومواد تغذيته.
 

*وكذلك الضرورات التي تُلْجِىء العبد إلى ربه، وتحثُّه على ذكره وكثرة دعائه وما ينشأ عن ذلك من تفريج الكربات وإجابة الدعوات وحصول المسار واندفاع المضار، كلها من مقويات الإيمان.

 * ومن أعظم مقويات الإيمان ومغذِّياته اللَّهج بذكر الله، والإكثار من دعائه، والإنابة إليه في السراء والضراء في جميع النوازل الخاصة والعامة الكبيرة والصغيرة، فهي من مغذِّيات الإيمان، والإيمان يغذِّيها، فكل من الأمرين يمد الآخر, وكلما ازداد العبد من هذه الأمور ومن ا لرجوع إلى الله في كل أحواله، ازداد إيمانه، وكثرت شواهده، وازداد العبد بصيرة ويقينًا، وقوي توكله.

 * ومن مغذيات الإيمان: قوة الصبر على طاعة الله وعن معاصيه وعلى أقداره، مع استصحاب التوكل والاستعانة بالله على ذلك؛ بل هو الإيمان أصلًا وفرعًا وغذاء وثمرة، فمتى غرست شجرة الإيمان في القلب وتأصَّلت بمعرفة الله، ومعرفة ما له من الأسماء الحسنى والصفات العظيمة، والتفرُّد بكل كمال وكل فض وإفضال، وانبعثت دواعي الإنابة إلى الله بذكره ودعائه، والرجوع إليه، وامتثال أمره واجتناب نهيه، والصبر على أقداره، والرضى به ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا، وتعاهد العبد هذه الشجرة بالأوراد الشرعية والوظائف المرتبة، وهي: أعمال اليوم والليلة، ودوام التوبة والاستغفار كل وقت، والعزم الجازم على تحقيق الإخلاص لله والمتابعة للرسول، والاجتهاد في تحقيق ذلك، وتنقية القلب من كل ما يضاد ذلك، من رياء وفخر، وعجب وكبر، وتيه، ومن غل وحقد وغش مما ينافي النصيحة ومحبة الخير للمسلمين، وتعاهدها أيضًا ببذل ما يستطيعه العبد من النفع للعباد من تعليم ، ونصيحة لهم في دينهم ودنياهم، وتوجيهه لهم إلى الخير بحسب أحوالهم، ودعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة بحسب قدرته واستطاعته وبحسب الظروف التي هو فيها متى وُفِّق لهذا كله، آتت هذه الشجرة أكلها كل حين بإذن ربها.
 
 
 
 
 
المرجع:للآلئ والدرر السعدية من كلام فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله- 
  

اللذة بحسب الهمــــــة

اغسطس 14, 2008

لذة كل أحد على حسب قَدْرِه وهمّته وشرف نفسه, فأشرف الناس نَفْسًا وأعلاهم وأرفعهم قدرًا من لذّته في معرفة الله، ومحبته، والشوق إلى لقائه،والتودُّد إليه بما يحبه ويرضاه، فلذته في إقباله عليه وعكوف همَّته عليه.

ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله, حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات، والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغال.

فلو عُرِض عليه ما يلتذُّ به الأول لم تسمح نفسه بقبوله ولا الالتفات إليه، وربما تألمت من ذلك, كما أن الأول إذا عُرِض عليه ما يلتذُّ به هذا لم تسمح نفسه به ولم تلتفت إليه ونفرت نفسه منه.

وأكمل الناس لذة من جمع له بين لذة القلب والروح ولذة البدن، فهو يتناول لذاته المباحة على وجه لا يَنْقُص حظَّه من الدار الآخرة، ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه. فهذا ممن قال تعالى فيه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}[الأعراف: 32].

وأبخسهم حظًا من اللذة من تناولها على وجه يحول بينه وبين لذات الآخرة, فيكون ممن يقال لهم يوم استيفاء اللذات: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}[الأحقاف: 20].

فهؤلاء تمتعوا بالطيبات, وأولئك تمتعوا بالطيبات, وافترقوا في وجه التمتع, فأولئك تمتعوا بها على الوجه الذي أُذِن لهم فيه,
فَجُمِع لهم بين لذة الدنيا والآخرة, وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة, وسواء أُذِن لهم فيه أم لا, فانقطعت عنهم لذة الدنيا وفاتتهم لذة الآخرة, فلا لذة الدنيا دامت لهم, ولا لذة الآخرة حصلت لهم.
فمن أحب اللذة ودوامها والعيش الطيّب، فليجعل لذة الدنيا مُوصِلًا له إلى لذة الآخرة, بأن يستعين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته, فيتناولها بحكم الاستعانة والقوة على طلبه لا بحكم مجرد الشهوة والهوى. وإن كان ممن زُويَت عنه لذات الدنيا وطيباتها، فليجعل ما نقص منها زيادة في لذة الآخرة, ويُجِمَّ نفسه هاهنا بالترك ليستوفيها كاملة هناك. فطيبات الدنيا ولذاتها نِعْمَ العون لمن صحَّ طلبه لله و الدار الآخرة، وكانت همَّته لما هناك, وبئس القاطع لمن كانت هي مقصوده وهمَّته, وحولها يدندن, وفواتها في الدنيا نِعْمَ العون لطالب الله والدار الآخرة, وبئس القاطع النازع من الله والدار الآخرة.
 فمن أخذ منافع الدنيا على وجه لا يَنْقُص حظَّه من الآخرة ظفر بهما جميعًا وإلا خسرهما جميعًا.
 
 
 
 
 المرجع: فوائد الفوائد
 للإمام: ابن القيم-رحمه الله-

فوائد تربوية من قصة موسى – عليه السلام – مع الخضر

اغسطس 14, 2008

قال الشيخ السعدي –رحمه الله-: وفي هذه القصة العجيبة الجليلة من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله‏.‏

 

فمنها‏:‏ إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى‏:‏

‏{وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ‏}.‏  
 
ومنها‏:‏ جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس من نصب أو جوع، أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقًا؛ لقول موسى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا‏}.  
 
ومنها‏:‏ أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله يعان ما لا يعان غيره؛ لقوله‏:‏

‏{‏لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا‏}.

ومنها‏:‏ أن العلم النافع هو العلم المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذير عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم   النافع، وما سوى ذلك فإما أن يكون ضارًا أو ليس فيه فائدة؛ لقوله‏:‏ ‏{‏أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّاعُلِّمْتَ رُشْدًا‏}.  
 
ومنها‏:‏ الأمر بالتأني والتثبت وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود‏.‏  
 
ومنها‏:‏ تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة،وأن لا يقول الإنسان للشيء‏:‏ إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول:

{‏إِنْ شَاءَ اللَّهُ}.
 
ومنها‏:‏ أن العزم على فعل الشيء ليس بمنزلة فعله، فإن موسى قال‏:‏{ ‏سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا‏} فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل‏.‏  
 
ومنها‏:‏ أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم العفو منها وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون أو يشق   عليهم ويرهقهم، فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة؛ بل يأخذ المتيسر ليتيسر له   الأمر‏.‏  
 
ومنها‏:‏ أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية في الأموال، والدماء وغيرها، فإن موسى عليه السلام أنكر على الخضر خرقه   السفينة وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها أنها من المنكر، وموسى عليه السلام   لا يسعه السكوت عنها في غير هذه الحال التي صحب عليها الخضر، فاستعجل عليه   السلام، وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض الذي يوجب   عليه الصبر وعدم المبادرة إلى الإنكار‏.‏  
 
ومنها‏:‏ أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه وفي ذريته‏.‏  
 
ومنها: استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله: ‏{فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا‏}‏ وأما الخير فأضافه   إلى الله تعالى لقوله‏:‏‏{‏فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏}‏ كما قال إبراهيم عليه السلام: ‏{‏وَإِذَا مَرِضْتُ   فَهُوَ يَشْفِينِ‏}‏ وقالت الجن‏:‏ ‏{وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا‏}‏ مع أن الكل بقضاء الله وقدره‏.‏
 
 ومنها‏:‏ أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قدر محض أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح؛ ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أمورًا يكرهها جدًا وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجًا من لطفه وكرمه؛ ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة‏.‏   
 

 
المرجع : كتاب “تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن”

 للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي يرحمه الله.

 

أسباب تراخي الخلق في الإقبال على الله-تعالى-

اغسطس 14, 2008

تأملت على الخلق وإذا هم في حالة عجيبة، يكاد يُقْطَع معها بفساد العقل!

وذلك أن الإنسان يسمع المواعظ، وتُذْكَر له الآخرة، فيعلم صدق القائل، فيبكي وينزعج على تفريطه، ويعزم على الاستدراك، ثم يتراخى عمله بمقتضى ما
 عزم عليه؛ فإذا قيل له: أتشكُّ فيما وُعِدْت به؟ قال: لا والله، فيُقَال له: فاعمل، فينوي ذلك ثم يتوقف عن العمل، وربما مال إلى لذة محرمة،
وهو يعلم النهي عنها.

ومن هذا الجنس تأخر الثلاثة الذين خلفوا، ولم يكن لهم عذر، هم يعلمون قبح التأخر، وكذلك كل عاص ومفرِّط.

فتأملت السبب مع أن الاعتقادصحيح، والفعل بطيء، فإذا له ثلاثة أسباب:

أحدها: رؤية الهوى العاجل،فإن رؤيته تَشْغَل عن الفِكْر فيما يجنيه.

والثاني: التسويف بالتوبة، فلو حضرالعقل؛ لحذَّر من آفات التأخير، فربما هجم الموت ولم تحصل التوبة.

والعجب ممن يجوِّز سلب روحه قبل مضي ساعة، ولا يعمل على الحزم، غير أن الهوى يطيل الأمد،
وقد قال صاحب الشرع-صلى الله عليه وسلم-: (صلِّ صلاة مودِّع)، وهذا نهاية الدواء لهذا الداء، فإنه من ظن أنه لا يبقى إلى الصلاة أخرى؛ جدَّ واجتهد.

والثالث: رجاء الرحمة، فيرى العاصي يقول: ربي رحيم، وينسى أنه شديد العقاب، ولو علم أن رحمته ليست رقة، إذ لو كانت كذلك؛
لما ذبح عصفورًا ولا آلم طفلًا، وعقابه غير مأمون، فإنه شرع قطع اليد الشريفة بسرقة خمسةقراريط؛ لجدَّ وأناب.

 

 

المرجع: صيد الخاطر

 للإمام: ابن الجوزي-رحمه الله-